ابن قاضي شهبة

334

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

المبارك ، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة فقيه ، وكان الناس يقولون : لو رآه الشافعي لفرح به . ولد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة ، فقدم بغداد سنة أربع وستين . قال الخطيب : وحدّثني أبو إسحاق الشيرازي : سألت القاضي أبا عبد اللّه الصّيمريّ : من انظر من رأيت من الفقهاء ؟ فقال : أبو حامد الأسفرايينيّ . قال أبو حيّان التوحيدي في « رسالة ما يتمثّل به العلماء » سمعت الشيخ أبا حامد يقول لطاهر العبّادانيّ : لا تعلّق كثيرا مما تسمع مني في مجالس الجدل ، فإن الكلام يجرى فيها على ختل الخصم ، ومغالطته ، ودفعه ، ومغالبته ، فلسنا نتكلم فيها لوجه اللّه خالصا . ولو أردنا ذلك لكان خطونا إلى الصمت أسرع من تطاولنا في الكلام ؛ وإن كنّا في كثير من هذا نبوء بغضب اللّه تعالى ، فإنا مع ذلك نطمع في سعة رحمة اللّه « 1 » . قلت : كذا سار الذهبي في ترجمة أبي حامد الأسفراييني ، وإنما المراد القاضي أبا حامد المروزي ، فإنه عاصر أبا حيّان وهو إمام الجدل ، وأبو حيّان من نظراء أبي حامد الأسفرايينيّ ، بل ربّما يكون أسنّ منه ، ومات قبله ، فإن كان موجودا سنة أربعمائة ، لا نعرف له خبر بعدها واللّه أعلم . وقال ابن الصلاح : وعلى أبي حامد تأوّل بعض العلماء حديث « 2 » : « إن اللّه يبعث لهذه الأمّة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها دينها » : فكان الشافعيّ على رأس المائتين ، وابن سريج في رأس الثالثة ، وأبو حامد في رأس الرابعة . قال السّلمي في الطبقات الكبرى : بعد حكاية التوحيدي . قلت : وهو طبع مريب فإن ما سمع من المغالطات ، والمكالمات في مجالس النظر ، يحصل به من يعلم على إقامة الحجّة ، ونشر العلم ، وبعث الهمم على طلبه ، مما يعظم في نظر أهل الحق ، ويقبل عنده . وله الخلوص ، وتعود بركة فائدته وانتشارها على عدم الخلوص . يقرب من الإخلاص ، إن شاء اللّه . وهذه الحكاية عن الشيخ أبي حامد ، تدلّ على أن ما كان يكتب عنه بإذنه ، فقد أخلص فيه ، وقد كتب عنه من العلم ، ما لم يكتب عن أحد ، فقد فقّهه هذا الإخلاص في هذه الكبيرة ، فإنه طبّق الدنيا بعلمه . ومما كتب عنه : أنه في سنة ثمان وتسعين « 3 » وثلاثمائة ، أخرج الشيعة ببغداد مصحفا قالوا : إنه مصحف ابن مسعود ، وهو مخالف

--> ( 1 ) السبكي : طبقات الشافعية 4 / 62 . ( 2 ) الحديث صحيح ، أخرجه أبو داود في السنن ( 4291 ) والحاكم في المستدرك 4 / 522 ، والخطيب : تاريخ بغداد 2 / 61 . ( 3 ) السبكي : طبقات الشافعية 4 / 64 ، ابن الجوزي : المنظم 15 / 55 .